فرنسا لاعب دولي جديد!!

نشره moneep يوم سبت, 2008-06-28 22:54.

عيد تحرير الباستيل قريب، ويتطلع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى تحويل هذه المناسبة الوطنية إلى نقطة تحول في علاقة فرنسا بالعالم. لقد وجه الدعوات لزعماء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وغير الأعضاء من دول الشرق الأدنى وأفريقيا الواقعة على ساحل المتوسط لحضور قمة في 13 يوليو ومشاهدة العرض العسكري الضخم الذي يمر عبر قوس النصر حتى قصر الكونكورد يوم 14 يوليو.
ومع اقتراب موعد المناسبة الذي سيحل بعد شهر لا أكثر، أرسل ساركوزي رئيس هيئة موظفيه كلود غويان إلى دمشق ليتأكد من حضور الدكتاتور السوري بشار الأسد إلى باريس في الوقت نفسه وفي القاعة نفسها التي سيوجد فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، ربما ليتحدثا حول السلام. وفي 22 يونيو، من المقرر أن يتوجه ساركوزي نفسه إلى إسرائيل في أول زيارة رسمية لرئيس فرنسي إلى الدولة العبرية منذ عام 1996. لكن هذه هي البداية فقط. لقد أعلن ساركوزي الأسبوع الماضي إعادة هيكلة جذرية في القوات المسلحة الفرنسية. وفي الأول من يوليو، سوف تتولى فرنسا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي بأجندة تستهدف دفع باريس إلى مقدمة ومركز الاتحاد لفترة طويلة بعد أن تترك كرسي الرئاسة في بروكسل بعد ستة أشهر. ومن شأن الخطة الموضوعة أن تجعل فرنسا في المقدمة بين الأنداد وغيرهم في تحالف دفاعي، وتجاري، متماسك بشكل غير مسبوق. بريطانيا هي الوحيدة التي لديها قوات عسكرية مماثلة، ويريد ساركوزي أن يجعل قواته الأكثر كفاءة. وقد قال ساركوزي لجنرالاته، الذين يخشى الكثير منهم أن يأتي وقت اقتطاعات الموازنة قبل تحقق الإصلاحات: "يجب على فرنسا أن تتغير لكي تحافظ على نفسها".
صورة ساركوزيفيما يستعد للاستعراض الضخم قد تذكرنا بصور الكثير من الرؤساء الفرنسيين من قبله الذين كانوا يكافحون لإظهار أنهم وبلدهم مازالوا لاعبين مهمين. ولكن على خلاف سابقيه، وضع ساركوزي الكثير من العناصر الجديدة على رقعة الشطرنج وهو يحركها جميعا في وقت واحد، محدثا تغييرات في ثوابت كان الفرنسيون يعتقدون أنها غير قابلة للتغيير. قد لا يكون ما يشهدونه اليوم ثورة على غرار ما حدث يوم اقتحام الباستيل، ولكنها تظل تغييرا راديكاليا في عقيدتي السياسة الخارجية والأمن القومي بشكل لم تشهده البلاد منذ عقود. لقد ولت تلك الأيام التي كان فيها الرئيس الفرنسي يتخذ المواقف السياسية التي تظهره وكأنه يمثل توازنا للقوة الأمريكية. وبدلا من ذلك، وعد ساركوزي في الأسبوع الذي تلا رفض الأيرلنديين في استفتاء قومي معاهدة لشبونة أن تظل فرنسا "قوة عسكرية عظيمة"، وعرض تبني الدفاع الجماعي باعتباره مفتاحا لوحدة أقوى.
وقد جاء أوضح ملخص لطموحات ساركوزي بشأن السياسة الخارجية والدفاع في خطاب ألقاه أمام النخبة العسكرية الأسبوع الماضي، حيث غير الأولويات مستثنيا مقاومة الغزو كأولوية قصوى بعد أن لم يعد الغزو تهديدا منذ 15 عاما، وركز على أهمية المرونة في عالم لا يقين فيه، حيث المخاطر باتت "متنوعة ومتغيرة على الدوام". وهو يأمل من خلال تخفيض عدد الجنود إلى 225 ألف خلال السنوات الست المقبلة والتركيز على جيش أصغر وأخف بحيث يتمكن من تمويل عمليات جمع معلومات استخبارية أفضل وذات قدرة أكبر على توقع التهديدات، سواء كانت من قبل إرهابيين أو دول فاشلة أو انتشار نووي أو محاربي الفضاء الإلكتروني أو التغير المناخي. فبدلا من نشر الجنود الفرنسيين في الحاميات العسكرية المتبقية من زمن الاستعمار في إفريقيا الفرانكفونية، سوف تستعد فرنسا للعمل فيما وصفه وزير الدفاع هيرفي مورين "قوس الأزمة الممتد من موريتانيا وحتى أفغانستان". وبفضل المعدات الأكثر حداثة، يسعى ساركوزي إلى التمكن من أن ينشر بسرعة وفعالية قوة مقاتلة قوامها 30000 رجل إلى أي ركن من أركان العالم مهما بعد، مع الاحتفاظ بقدرة على معالجة فعالة لأحداث كارثية قد تقع في أرض الوطن. يقول توماس فالاسيك من مركز الإصلاح الأوروبي: "الفرنسيون يدركون الآن أنهم لا يمتلكون القدرة فقط على تنفيذ المهمة وحدهم، بل إعادة الجيش الفرنسي إلى عهد التعامل مع التهديدات ذات الأهمية".
وأوضح ساركوزي أيضا أن فرنسا سوف تعاود الانضمام العام المقبل إلى بنية قيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المتكاملة لأول مرة منذ انسحب منها الرئيس شارل ديغول منها عام 1966. وكجزء من خطته الساعية إلى تعاون دفاعي أكبر بين دول الاتحاد الأوروبي، داخل الناتو وخارجه، اقترح ساركوزي إعادة هيكلة كاملة وتوحيدا للصناعات الدفاعية الأوروبية وبرنامج تبادل ضباط تدريبيا واسعا، وربما حتى كلية عسكرية أوروبية موحدة ومركز قيادة عمليات مشترك.
وكان ساركوزي قد عبر عن مقته للعبة الجيوسياسية التي درج أسلافه على لعبها حتى قبل انتخابه العام الماضي. فقد امتدح الولايات المتحدة بكل صراحة واحتضن إسرائيل بحماسة، على عكس الرؤساء الفرنسيين السابقين الذين كانوا يخشون مما قد يسببه ذلك من إثارة لحساسيات الحكام الطغاة العرب الأغنياء. وقد كتب ساركوزي عام 2006: "كل الديموقراطيات مسؤولة عن أمن إسرائيل، وهو أمر غير قابل للنقاش"، ومنذ أن تولى منصبه، تحولت العلاقات مع القدس إلى ما يشبه علاقة الحب. وقد قال له الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز أثناء زيارة في مارس: "أنت هبة ريح عظيمة وإيجابية في السياسة الفرنسية".
وخلال العام الماضي، لعب ساركوزي لعبة الدبلوماسية المتشددة مع الاستعداد للعراك، وهي استراتيجية تعزز صورة فرنسا التي يطرحها حاليا. فعلى سبيل المثال، تصدرت فرنسا الدول الأوروبية في المفاوضات الشاقة لفرض عقوبات اقتصادية على إيران لرفضها إيقاف برامج يمكن أن تمكنها من بناء أسلحة نووية. ومن خلال الجمع بين أولمرت والأسد، يلعب الفرنسيون دورا أكثر فاعلية وعلانية في صناعة السلام في الشرق الأوسط من ذي قبل، وأحد أسباب ذلك هو إخفاق مبادرات واشنطن في تحقيق أهدافها بهذا الشأن.
ولكن لم يمض وقت طويل حتى بدأت المؤسسة العسكرية تدرأ عن نفسها الضغوط التي يوجهها ساركوزي إليها. فقد اتهم جنرالات يكتبون بأسماء مستعارة في الصحيفة المحافظة لو فيغارو ساركوزي بأنه "يحط بصورة حقيقية من قدر جيش بلدنا". وقد وصفوا خطته بأنها استراتيجية علاقات عامة أكثر منها استراتيجية دفاعية. وحتى قبل نشر التقرير، أبدى البريطانيون شكوكهم خصوصا حول نجاعة فكرة الكلية الدفاعية الأوروبية وقيادة عمليات أوروبية مشتركة في بروكسل. يتوقع البريغادير المتقاعد جيفري فان أوردن، وهو عضو محافظ يمثل بريطانيا في البرلمان الأوروبي أن هذه الخطة "سوف تنتهي بالدموع". ولكن بعد ذلك أعلن ساركوزي أن خطتي الكلية والقيادة تحتاجان إلى المزيد من الدراسة. يقول فالاسيك: "يريد الفرنسيون كل شيء!. ولكنهم اتخذوا نهجا مرنا حيال النقاط الأكثر خلافية [مع البريطانيين]". وبالفعل، فقد برزت وجهة نظر ساركوزي البراغماتية حيال التغيير من جديد. لا داعي لإفساد الحفل يوم عيد الباستيل حتى قبل أن يبدأ. فالثورة الفرنسية في مجال السياسة الخارجية والدفاع قد بدأت للتو فقط.

نقلا عن:

http://newsweek.alwatan.com.kw/Default.aspx?MgDid=643716&pageId=134


علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق